النووي

44

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

قُلْتُ : إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ مَنْ يَصْلُحُ إِلَّا وَاحِدٌ ، فَيُجْبَرُ بِلَا خَوْفٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الطَّرِيقُ الثَّانِي : اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ مِنْ قَبْلُ ، وَعَهْدُهُ إِلَيْهِ ، كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ ، وَالِاسْتِخْلَافُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ ، فَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِالْإِمَامَةِ ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ ، وَلَوْ جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا بَعْدَهُ ، كَانَ كَالِاسْتِخْلَافِ ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ ، فَيَتَشَاوَرُونَ ، وَيَتَّفِقُونَ عَلَى أَحَدِهِمْ ، كَمَا جَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ ، فَاتَّفَقُوا عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ مِنْ وَقْتِ الْعَهْدِ إِلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ فَاسِقًا عِنْدَ الْعَقْدِ ، بَالِغًا عَدْلًا عِنْدَ مَوْتِ الْعَاهِدِ ، لَمْ يَكُنْ إِمَامًا ، إِلَّا أَنَّ يُبَايِعَهُ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا . قُلْتُ : لَا تَوَقُّفَ فِيهِ ، فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَصِيِّ ظَاهِرٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ إِذَا عُهِدَ إِلَى غَائِبٍ مَجْهُولِ الْحَيَاةِ ، لَمْ يَصِحَّ ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْحَيَاةِ ، صَحَّ ، فَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَخْلَفُ وَهُوَ بَعْدُ غَائِبٌ ، اسْتَقْدَمَهُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ ، فَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَتَضَرَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِتَأْخِيرِ النَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ ، اخْتَارَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ نَائِبًا لَهُ يُبَايِعُونَهُ بِالنِّيَابَةِ دُونَ الْخِلَافَةِ ، فَإِذَا قَدِمَ انْعَزَلَ النَّائِبُ ، وَأَنَّهُ إِذَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ نَفْسَهُ ، كَانَ كَمَا لَوْ مَاتَ ، فَتَنْتَقِلُ الْخِلَافَةُ إِلَى وَلِيِّ الْعَهْدِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : الْخِلَافَةُ بَعْدَ مَوْتِي لِفُلَانٍ ، أَوْ بَعْدَ خِلَافَتِي .